عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

43

معارج التفكر ودقائق التدبر

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ . . : « إن » هنا شرطيّة ، والأصل في استعمالها كما يقول البلاغيون ، أن تستعمل في الأمر المشكوك فيه ، أو في القليل لا في الكثير ، فكيف جاءت هنا مع أنّ تكذيب المشركين له متحقّق غير مشكوك فيه ، والمكذّبون إبّان نزول السّورة هم الأكثرون ، والمصدّقون المتابعون هم الأقلّون ؟ أقول : إنّ كبراء مشركي مكّة المعنيين إبّان التنزيل ، كان لهم ظاهر وباطن . * فهم في ظاهر تصرّفاتهم كانوا يكذّبون الرّسول ويتّهمونه بالافتراء على اللّه عزّ وجلّ . * لكنّهم في باطن نفوسهم وقلوبهم كانوا في الغالب مصدّقين له ، إلّا قليلين شاكّين ، إنّما كانوا جاحدين بآيات اللّه ، والجاحد عالم بالحقّ في باطنه ، منكر له في ظاهره ولسانه . هذا الواقع قد أبانه اللّه لرسوله في قوله له في سورة ( الأنعام / 6 مصحف / 55 نزول ) . قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ . ( 33 ) وبهذا ندرك أنّ كلمة « إن » الشرطيّة في الآية مستعملة في الأمر المشكوك فيه أو القليل ، على وفق ما ذكره علماء البلاغة . * . . فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ . . : أي : فنؤكّد لك أنّ رسلا كثيرين ومن المفضّلين الكبار قد كذّبوا من قبلك ، أي : فصبروا على ما كذّبوا وأوذوا ، فتأسّ بهم فاصبر كما صبروا ، وتحمّل الأذى كما تحمّلوا ،